حيدر نجف

غزارة الإنتاج السمة الأولى التي تلفت النظر في مشواره في الترجمة من الفارسية إلى العربية، وهو مشوار يمتد لنحو خمسة وعشرين عاماً. يعزو هو هذا الجانب ـ بقيد الظن ـ إلى إنه متفرغ للترجمة تقريباً منذ سنين. وهي غزارة لم تأت على حساب الجودة، الأمر الذي يمكن اعتباره السمة الثانية في رحلته مع الترجمة. أما السمة الثالثة فهي أهمية معظم الكتب التي قام بترجمتها وانتماء غالبيتها لصنف الكتب المنهجية العلمية. ترجم لكثير من المفكرين الإيرانيين المعروفين ممن يعدون من الطبقات الأولى في المشهد الثقافي الإيراني خلال العقود الأخيرة.

هوية بأربعين وجها

يمتلك داريوش شايغان مهارة فائقة في التعبير عن أفكاره، ببيان مكثف دقيق،وواضح. عباراته لا يرهقها فائض لفظي، ولا تغرق بغموض والتباسات مبهمة. يرتّب موضوعاته في سياق منهجي منظّم. وتظهر براعته في القدرة على توظيف المصطلحات، التي ينحتها أو يستعيرها، بنحو اغتنت آثاره بمعجم اصطلاحي مميز ينفرد هو بكثير من مصطلحاته. فمثلا يعثر قارئ شايغان على: «شيزوفرينيا ثقافية، احتضار الآلهة، الذاكرة الأزلية، النظرة المشوهة، المرايا المهشمة، طوبوغرافيا الوجود المتعددة الأبعاد، الجهل العالم، الجغرافيا الرؤيوية، التراتبية الأنطولوجية، الثنوية الميتافيزيقية، الوهم المزدوج، مرحلة البين بين، أدلجة المأثور الديني، تهجين المفاهيم، إجازات داخل التاريخ، هوية مركبة، هوية أربعين قطعة، هوية ريزومية، أنطولوجيا مهشمة، تزامن الثقافات المتنوعة، أمسى العالم شبحا، ...الخ».

اقرا أكثر شراء

اطلب الكتاب

تأملات في القراءة الانسانية للدين

حين أقول" قراءة انسانية للدين" أقصد فهم الانسان للدين والتديّن وفق ما تقتضيه أبعاد انسانيته. فالدين للإنسان وليس لله. إنه وليد آلام الإنسان وحاجاته من ناحية، وصنيعة التجارب الدينية للإنسان المحتاج صاحب المعاناة من ناحية ثانية، حتى يخفّف من آلامه ويشبع حاجاته. ولا يستطيع الانسان أن يفهم دينه بما يتناقض مع شطر من انسانيته وأبعادها، كأن يتناقض مع الفلسفة او الحقوق أو القِيَم مثلاً...
على الضد من هذه القراءة، تقف القراءة غير الانسانية، أو فوق الإنسانية، للدين، القائلة بأن الدين هو مجموعة من الأحكام الغيبية المتعالية على عقل الإنسان، والتي نزلت من الله على البشر... معنى هذا التصوّر أن الإنسان، كما ظهر على مَرّ التاريخ، وأفصح عن أبعاد وجوده، وكما تطورت ثقافته على مَرّ الزمن، شيئ، والدين شيئ آخر... وهذا يعني الانقطاع بين الانسان والله... ويغدو الوحي أمر غيبي، يدخل عالم الإنسان من عالم الغيب، فيغيّر عالمه ويفنيه، ويُسقط كل المعارف الأخرى، ولا يقرّ معرفة لم تأتِ من الغيب.

اقرا أكثر شراء

اطلب الكتاب

الهرمنيوطيقا: الكتاب والسُّنة

موضوع الكتاب هو كيف أن مفسّري الوحي الاسلامي يفسرونه دائما على أساس قبلياتهم وميولهم وتوقّعاتهم من الكتاب والسنّة. لذلك وضعنا له عنوان: "الهرمنيوطيقا": الكتاب والسّنة". لا شأن لنا في هذا الكتاب بقضية أي المفسرين، أو أي الفقهاء، هو صاحب التفسير الصحيح والفتاوى الصائبة. فالحكم حول أو خطأ محتوى التفاسير والفتاوى موضوع آخر، يتصل بعلم التفسير وعلم الفقه. موضوعنا في هذا الكتاب هو فقط دراسة كيفيات وآليات عملية "التفسير والاجتهاد الفقهي", المتقدمة منطقيا على الحكم أو الفتوى.

ما زال السائد في أروقتنا العلمية الدينية هو أن بالإمكان، بل من الواجب، المبادرة الى تفسير الكتاب والسنّة بذهنية خالية من أية قبليات أو ميول. إن أنصار هذه الفكرة لا يعتبرونها ممكنة وحسب، بل واجبة أيضا، لأنها الشرط اللازم للحفاظ على نقاء المعنى وفحوى الكتاب والسنّة. إلاّ أن هذه الفكرة تؤدي إلى غفلة تامة عن القبليات والميول، التي توجّه عملية الفهم والإفتاء لدى كل مفسِّر أو فقيه، فيغلب على الأذهان الظن بأن التفسير والإجتهاد لا يقومان على غير المباني والمباحث الخاصة بعلم اللغة اللغة وعلم الأصول، أما سائر العلوم والمعارف البشرية فلا تلعب دوراً في صناعة تلك الفتاوى الدينية. من شأن هذا التصور الخاطئ إخفاء السبب الرئيس في اختلاف الآراء والفتاوى، الذي هو طبعا تباين القبليات والميول.

حينما يقيّمون نظرية فقيه أو فتواه، يقتصرون على نقد مبانيه الأصولية وطريقة استدلاله، ولا يتطرق أحد لتلك المباني الفلسفية والكلامية والأنثروبولوجي والسيكولوجية والسايكولوجية... التي تشكّل القبليات الأولى والميول التي يحملها المفسِّر والفقيه في تعاطيه مع الكتاب والسنّة وتوجِّه عملية الاستنباط لديه، ولا تخضع كل هذه العناصر المؤثرة لأي نقاش أو نقد

محاولتنا في هذا الكتاب هي قطع خطوة في طريق التحرر من هذه الغفلة الضارة، التي تسببت في الكثير من الخسائر العلمية والعملية التي تكبدها المسلمون في حياتهم. فمن دون هذه المراجعة لا سبيل لخروج العالم الإسلامي من مشكلاته النظرية والعملية التي طرحتها عليه الحضارة المعاصرة.

اقرا أكثر

العقلانية والمعنوية

في الوقت الذي أحسب فيه عبادة العقائد، او الانبهار بمعتقدات الذات، من أخطر مصاديق الوثنية، لا أميل إطلاقا الى تحوّل عقدي لاتباركه الأدلّة والبراهين، تحوّل ينبع من صرف التعبد، أو التقليد، او الانخراط في دوامة روح العصر، أو الضعف أمام موضات الفكر المتوالدة، او الانجراف إلى مهاوي الرأي العام، او الذوبان في الجماعة. إذ أعتقد أن إنسانية الإنسان رهن إخلاصه للدليل، والعيش على أساس معطيات العقل والوجدان. ما أبتغيه من "العقلانية"، في عبارة الجمع بين "العقلانية والمعنوية"، ليس سوى هذه التبعية الصادقة للعقل والوجدان، ومطالبة الدليل من كل من يتقبل مطالبتنا بالدليل، فبمقدار ما يفارق العقل مسرح حياتنا، يتسع المجال لأغوال: الزيف، والعنف.
على امتداد تاريخه وجغرافيته، حيثما لم يراع الإنسان حرمة العقل ، ولم يعره ما يستحقه من اهتمام، فقد أضحى مجتمعه ساحة لفئتين من الناس: أشباح الزيف، وزبانية العنف. وما من سبيل لمكافحة هاتين الآفتين المهولتين سوى الإعتصام بعُرى العقل.
بَيدَ أن الحياة التي تنبني على العقل، او لنقل الحياة الأصيلة التي نطالب فيها بالدليل، ليست عديمة الكلفة. ولأجل أن نستحق مثل هذه الحياة، ينبغي أن نطل على عالم الوجود من شرفات النزعة الروحية أو المعنوية، فمن دون هذه الرؤية المعنوية، قد يلوح للإنسان المحبّ لذاته بطبيعته، والحريص على حماية نفسه، ودفع الضرر عنها، وجذب الخير إليها، قد يلوح لـه أن تكلفة الحياة الأصيلة تربو على نفعها. وهذا هو سر التشديد على "المعنوية"، فهي التي تؤهلنا، في غمرة التوحّد الناجم عن نبذ التعبّد، والتقليد، واتباع روح العصر، والإقلاع عن الهرولة وراء التقليعات الفكرية الدارجة، والتأقلم مع الأفكار العامّية السائدة، والاصطباغ بلون الجماعة، أن نحمل،ونتحمَّل، صلبان حياتنا على عواتقنا، ولا نخسر سكينة أرواحنا، وأملنا، ورضانا الباطني، رغم كل الصعوبات والأهوال التي قد تعتَوِرُ الطريق.
أملي ان نعتنق جميعا طلب الحقيقة دينا، وإرادة العدل مذهبا، وإفشاء المحبة سلوكا.

اقرا أكثر شراء

اطلب الكتاب

اشترك في النشرة البريدية