التأويل والحقيقة

    هذه قراءات للتراث الفكري العربي والإنساني يجري فيها صاحبها على طريقة التأويل ، منطلقا من النظر إلى الأصول الفكرية والمراجع المعرفية ، بوصفها إمكانا للفهم وحقلا للدرس ومجالا للكشف ، وذلك فيما يتعدى القضايا التي تبرهن عليها ، والأنساق التي تنتظمها ، والمذاهب التي تؤطرها ، وفيما يتخطى أيضا المصادر التي تستقي منها ، والأصول التي ترد إليها ، والعناصر التي تتكون منها . ذلك أن روائع الفكر ، إنما تفلت في المنظور التأويلي من الحصر والتقييد ، وتمتنع على أن تقال بصورة نهائية ،ولا يستنفدها تفسير وحيد أو شامل .
    من هنا لاتهتم هذه القراءات بإبراز النسق الذي يقولب الفكر وبضبطه ، لأن من شأن الفكر الحق أن لا ينغلق على نفسه ، وإلا ألغى إمكان المساءلة والفهم ولا هي تهتم أيضا بالبحث عن أصول الأفكار ، فمن شأن ذلك أن يقوض قيمة كل فكر ، لأنه ينكر أن يكون الاختلاف مولدا للمعنى .. باختصار إن هذه القراءات ترى الى النصوص ألأصلية بوصفها فسحة كلامية متجددة ، واحتمالا لايتوقف عن التأويل ، بحيث يكون دوما لدى قراءة هذه النصوص ثمة مجال لاستئناف القول وإعادة التفكير وتجديد الفهم نفسه . فالتأويل ليس مجرد طريق الى الحقيقة . وإنما هو شكل من أشكال التفكير يتيح القول في الوجود من جديد ويسمح بإعادة تعريف الأشياء ، كما يسمح بتجديد فهمنا للحقيقة نفسها . وبذلك تتضاعف دلالة الوجود ويتسع معنى الحق .



اشترك في النشرة البريدية